قراءة في واقع منطقتنا

نظراً للموقع الجيوستراتيجي لمنطقة المشرق المتوسط وشمال أفريقيا، ونظراً لغنى مواردها وثرواتها السطحية والباطنية، ولكونها مهد الحضارات على مر التاريخ؛ فقد تحولت المنطقة راهناً إلى بؤرة للحرب العالمية الثالثة، بعد أن أُبقِيَت ساحةَ نزاع وصراع متواصلَين داخلياً طيلة القرون الماضية، سيما بعد رسم حدودها السياسية المصطنعة، وتقسيم شعوبها وهوياتها وفق المصالح الدولية. وعلى الرغم من إدارة القوى الدولية العظمى لهذه الحرب بالوكالة عبر القوى الداعمة للمجموعات المتطرفة على مختلف مسمّياتها، إلا إنها تتجه مؤخراً نحو دخول الحرب بصورة مباشرة. إن هذه الحرب المتقمصة لقناع الدين، هي حقاً حرب همجية طائشة، وتجسيد لقمة الذهنية الذكورية.

ماذا عن قوى المدنية الرأسمالية؟

إنّ السبب الأصل وراء هذه الحرب الوحشية، هو نظام الهيمنة الحداثوية الغربية المتأزم، وامتداداته من الأنظمة الاستبدادية أو الفاشية. والهدف منها هو تمرير المصالح السلطوية للقوى العالمية، وتصدير أزماتها إلى المنطقة لإطالة عمرها، من خلال توسيع رقعة الحرب وتأجيج الاشتباكات والتوترات الاجتماعية. في حين أن الشعوب والنساء، وكذلك الطبيعة، هي الضحية الأولى فيها. وعليه، فإن منطقتنا التي شهدت ولادة وتأسيس وصعود النظام البطريركي لأول مرة في التاريخ، تُدَمَّر اليوم بين فكَّي هذه الذهنية الاستعمارية الاستغلالية.

ما هي الأسباب الداخلية؟

يُعَدُّ التطرف العرقي والقومي والديني والطائفي والمذهبي في مقدمة الأدوات الرئيسية التي تستخدمها قوى الحداثة الرأسمالية في تصيير المنطقة ساحةً ملتهبة يعمها الخراب والدمار. إذ يُعمَل على تأليب ثقافات وشعوب المنطقة على بعضها بعضاً، بعدما ظلت متعايشة ومتسامحة ومتداخلةً على مر تاريخها العريق. هذا عدا عن مشاكل التضخم السكاني، وتورم المدينة على حساب الريف، وتفشي البطالة، وقضايا الصهر الإرغامي والنزوح والهجرة والدمار والتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي والمشاكل البيئية والاقتصادية، ما صَيَّرَنا أفقرَ الشعوب رغم أننا سكانُ أغنى منطقةٍ في العالم.

خصوصية المشرق المتوسط: مهد ثقافة المرأة

شهدَت منطقتنا في فجر تاريخها وعلى مرّ أطول فترات مسارها التاريخي أولَ أشكال التنظيم المجتمعي بريادة المرأة الأم. فتميزت المجموعات والجماعات بثقافة العيش المشترك والتعاون والتعاضد وبسيادة التعددية والتنوع والوحدة ضمن الاختلاف. لكن، ومنذ أن بدأ النظام البطريركي بسلب كل البدايات النسوية التاريخية ونَسبِها إلى ذاته، وبتشكيل أول حلف سلطوي على حساب المرأة، بدأت ظاهرة استعباد المرأة بالتفشي، لتعمّ كل المجتمع عبرها. ومن حينها بدأت كل الظواهر والمؤسسات والأجهزة الدولتية السلبية بالظهور، لتتحول منطقتنا من مهد حرية المرأة طيلة عشرات الآلاف، بل ملايين السنين، إلى مقبرة فسيحة لها منذ خمسة آلاف سنة. لاشك أن المرأة لم ترضخ للعبودية بسهولة. بل شهد تاريخ المنطقة -وما يزال- كفاحات نسوية شاقة ضد الذهنية الذكورية السلطوية بكل مؤسساتها.

واقع المرأة راهناً

تقوم الذهنية الذكورية والنظام البطريركي بإقصاء المرأة من جميع مناحي الحياة بنحو ممنهج ومدروس، فلَم تَعُد صاحبة إرادة وقرار، وتحولت إلى سلعة، بل وباتت ملكة السلع. لا ريب أن كل العالم يئن تحت وطأة التمييز الجندري. لكن هذا الواقع هو الأكثر فظاظةً في منطقتنا. إذ يتمتع الرجل بأقصى درجات السلطوية، فيما نجد المرأة مستعمَرة في الحضيض. فبدءاً من ظاهرة تعدد الزوجات وزواج الشغار إلى زواج القاصرات وحتى “جهاد النكاح” مؤخراً، ومن ثقافة التحرش والاغتصاب والاعتداء إلى المتاجرة بالجسد والاستغلال الجنسي، ومن ثقافة العنف بكل أنواعه إلى استغلال الكدح، ومن الختان والرجم والإعدام إلى حالات الانتحار وجنايات الشرف. كل ذلك وغيره من الظواهر المتفشية في منطقتنا، يُعَدُّ تَجَلّياً لحقيقة النظام البطريركي السائد والمتأزم.

المرأة المكافحة لنيل الحرية تُعَدّ خطراً على النظام البطريركي

لطالما عَدَّ النظامُ الذكوريُّ المرأةَ المتطلعة إلى الحرية خطراً يهدد مؤسساته، فشنّ ضدها حملات ممنهجة وشرسة، وصلت أحياناً حد الحكم عليها بالموت. كما إن تصاعد موجات الفاشية في عموم المنطقة والعالم في قرننا الحالي، وإنْ بأشكال دقيقة ومختلفة عما كانت عليه في القرن العشرين، هو مؤشر قاطع على مدى العداء لحرية المرأة. وبالمقابل، فإن المرأة لم تتراجع قيد أنملة عن نضالها. وبما أن قضية حرية المرأة باتت من أكثر الساحات التي تتجلى فيها التناقضات الاجتماعية راهناً، فإن فاعلية المرأة لم تَعُد تقتصر على شؤونها فحسب، بل وأصبحت تتناول الكثير من القضايا الوطنية العامة ومناهضة الأنظمة الشمولية والديكتاتورية.

ماذا عن المرأة الكردية؟

لقد أثبتت المرأة الكردية جدارتها من خلال نضالها الدؤوب في سبيل الحرية. إذ تعرض الشعب الكردي لأقصى درجات الإنكار والإبادة خلال القرن الأخير خاصة. وتعرضت المرأة الكردية لظلم واستغلال مضاعفَين: قومياً وجندرياً. فاضطرت لخوض النضال على الجبهتَين، ووُفِّقت في إنجاز مكاسب عظيمة لدرجة أنه صار من المستحيل تصوّر الحياة الاجتماعية والسياسية في كردستان بدون حضور المرأة فعلياً. بالتالي، فإن فلسفة “المرأة حياة وحرية”:Jin-Jiyan-Azadî“، غدت من صُلبِ حقيقة المشرق المتوسط عموماً وكردستان خصوصاً.

بمعنى آخر، إننا كنساء نساهم في تدوين التاريخ المعاصر لحرية المرأة. بل إننا جزء من هذا التاريخ. إذ نسجّل تاريخ العودة إلى الذات “أماركي” وتاريخ كينونة “خويبون” المرأة استناداً إلى الثورة الزراعية الأولى التي أنجزتها في هذه البقعة المباركة بذهنيتها الأنثوية الأصيلة، وبتنوعها واختلافها الغني.

الثورة ممكنة مع المرأة الحرة

تُعَدُّ حرية المرأة قضيةً وجودية. سيما وأن تاريخ النظام البطريركي يدل بالمقابل على تاريخ عبودية المرأة أيضاً. لكن المكاسب التي حققتها المرأة عموماً والمرأة الكردية خصوصاً في قرننا الحالي، تشير بوضوح إلى أن “تاريخ عبودية المرأة” الذي لم يُدَوَّن بَعدُ”، يتجه نحو تدوين “تاريخ حرية المرأة”. وعلى حد تعبير الزعيم والمفكر الكردي عبد الله أوجالان، فإن: “الثورة الكردستانية ممكنة مع المرأة الحرة“. بمعنى آخر، فإن أي ثورة لم تبرز فيها الإرادة الحرة للمرأة، لا يمكن تسميتها بالثورة. بل وقد تتحول على الأغلب إلى ثورة مضادة. وقد بات واضحاً أن السبيل إلى التغلب على نظام الحداثة الرأسمالية الذكورية الذي ينفذ شتى أنواع إبادة المجتمع من خلال إبادة المرأة، يمر من اعتماد نظرية ديمقراطية وبيئية جديدة، تتخذ من حرية المرأة محوراً لها، وتناضل لأجل تأسيس نظامها، وتتكفل بالدور الريادي في بناء المجتمع الأخلاقي والسياسي.

مَن نحن؟

إن “رابطة جين النسائية” (JÎN) هي جمعية مدنية غير حكومية، تعنى بشؤون المرأة مشرقياً، وتهدف إلى تعزيز التواصل وتمكين الحوار والعمل المشترك بين المنظمات والجمعيات والشخصيات النسائية، وإلى تمكين إرادة المرأة، وتجذير رؤيتها السديدة حول الشؤون النسوية والعامة، وإلى صبّ كل الجهود النسائية في بوتقة واحدة فاعلة ومؤثرة بهدف المشاركة في تغيير الواقع نحو الأفضل.

لماذا جين؟

لكلمة “جين” في اللغة الكردية معنَيان: إذ تعني “المرأة” و”الحياة” في آنٍ معاً. كما تدلّ في اللغة العربية على “الجين/الموَرّثة” التي تحدد تشكيل وتطور وسلوكيات الكائن الحي من جهة، وتؤدي إلى الفوارق و”الاختلاف” والغنى بين الأشخاص من جهة أخرى. بالتالي، وبما أن “الجين/الأنثى” هي الأصل، فهي “الجين/المورّثة” الأصيلة التي تمدنا بكل العادات والضوابط والأخلاق الفاضلة، والتي تنعكس بدورها على “الجين/الحياة”. بمعنى آخر، فالروابط بين “المرأة والحياة والمجتمع” هي أقرب إلى ارتباط اللحم بالظفر. وأي خلل في العلاقة بين هذا الثلاثي، تنعكس بشكل مباشر على مسار البشرية جمعاء. والأحداث التي نعيشها مؤخراً، كافية لإثبات هذه الحقيقة تماماً. من هنا، فإن “رابطة جين النسائية” تهدف إلى تكريس التوازن بين ثلاثي “المرأة والحياة والمجتمع” من خلال كافة أنشطتها.

أهدافنا

تمكين الهوية الحرة للمرأة في جميع ميادين الحياة، وذلك بخوض النضال الدؤوب ضد الذهنيات والبنى القائمة على التمييز الجندري.

تمكين الإرادة الموحدة للمرأة الشرق متوسطية ضد السياسة البطريركية السلطوية العقيمة.

المساهمة في تكريس وحدة الشعوب الديمقراطية كضمان لوقف الحروب والاشتباكات ولاستتباب الأمن والسلام.

الحد من جميع أشكال الاستغلال المروعة.

النضال من أجل حث جميع المعنيين في المنطقة على الالتزام باتفاقية سيداو.

تمكين مشاركة المرأة بإرادة حرة ومستقلة في مفاوضات السلام ضمن مناطق الحرب والصراع، وفق المادة 1325 من اتفاقية الأمم المتحدة.

وعليه، تعمل الرابطة على:

تعزيز الحوار وتكريس أرضية العمل المشترك بين المنظمات والجمعيات والشخصيات النسائية.

مشاطرة الإرث النضالي الفكري والنظري لحركة حرية المرأة الكردية مع نساء المشرق المتوسط وشمال أفريقيا والعالم.

تطوير العلاقات مع الحركات النسائية في المشرق المتوسط وشمال أفريقيا والعالم، وتأمين التلاقي معها على خلفية النضال المشترك.

توحيد الفعاليات مع المنظمات النسائية العابرة للقوميات، وتنظيم المحافل المشتركة معها من خلال ترسيخ العلاقات الاستراتيجية.

تنظيم الأنشطة والمحافل النسائية المشتركة إقليمياً وعالمياً بهدف مناهضة كل أنواع العنف ضد المرأة، ولوقف إبادة البيئة والطبيعة.

تسيير النشاطات الهادفة إلى تجذير التعاون والتعاضد النسائي لوقف حمّام الدم وترسيخ ثقافة العيش المشترك في المنطقة.